اسماعيل بن محمد القونوي

245

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

اللّه من اقتضاء المقام وتقديم الصبر لأنه أفضل من الشكر مع عارية الفاصلة وصيغة المبالغة فيهما للتنبيه على أن ذلك صعب المنال لا يتيسر إلا من كان صابرا شاكرا على وجه المبالغة . قوله : ( أو لكل مؤمن كامل ) أي لكل صبار شكور كناية عن المؤمن الكامل وليس المراد معناهما الحقيقي وإن اندرجا في المؤمن . قوله : ( فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ) تعليل لكون المراد بهما ذلك وكناية عنه فإن الإيمان أي فإن شعبه نصفان أي يرجع إلى أمرين صبر وشكر وإضافة نصف إلى الصبر وإلى الشكر للبيان وإنما أولنا بالشعب لأن الإيمان الحقيقي وهو التصديق لا يتجزأ فلا يتصور له النصف وفي قوله فإن الإيمان الخ اقتباس لطيف قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ [ الشورى : 33 ] الآية تتميم وتذييل لقوله وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ الخ . قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 34 ] أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 ) قوله : ( أو يهلكهن بإرسال الريح العاصفة المغرقة والمراد إهلاك أهلها ) أي إسناد الإهلاك إلى السفن مجاز عقلي للمبالغة في إهلاك أهلها وتقدير المضاف يخرج الكلام عن المبالغة ولو أبقي على ظاهره لكان أبلغ حيث يفيد هلاك جميع ما فيها ومن عليها . قوله : ( لقوله وأصله أو يرسلها فيوبقهن لأنه قسيم يسكن فاقتصر فيه على المقصود كما في قوله إذ المعنى أو يرسلها عاصفة فيوبق ناسا بذنوبهم وينج ناسا على العفو عنهم ) فاقتصر فيه والمقصود أي من إرسالها عاصفة والظاهر أن ضمير إرسالها راجع إلى الريح أو إلى الرياح بالاستخدام كما في قوله وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ فإن فيه اقتصر على المقصود وهو الإنجاء والمفهوم منه أن المهلكين قليل فإن رحمة اللّه تعالى غلبت على غضبه وما سبق العفو من الذنوب الكثيرة وهنا العفو عن كثير من الناس توفية للكلام بما هو يناسب المرام فجزم يعف على العطف على يوبقهن وجزم يوبقهن على أنه جواب الشرط المحذوف أي أو إن يشأ يرسلها الرياح فيوبقهن أو ينج ولما حذف جواب الشرط أقيم ما عطف عليه بالفاء السببية مقامه وكلام المص فيه تنبيه على جميع ما ذكرناه وفي قوله إذ المعنى أو يرسلها عاصفة الخ إشارة إلى رد ما قيل إن التحقيق أن يعف عطف على قوله : يُسْكِنِ الرِّيحَ [ الشورى : 33 ] إلى قوله : بِما كَسَبُوا [ الشورى : 34 ] ولذا عطف بالواو لا بأو قوله : وأصله أو يرسلها يعني كان حكم المقابلة يقتضي أن يذكر في أحد القسمين وهو المعطوف السبب والمسبب معا كما ذكر في القسم الآخر الذي هو المعطوف عليه فإن سكون الريح سبب لركود السفن المعتبر به عن بقائهن والبقاء مسبب عنه فيقتضي ذلك أن يقال هنا أو يرسلها فيوبقهن ليكون ذكر الإيباق مقرونا بسببه كما قرن الركود في الذكر مع سببه فكأنه قيل إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد وإن يشأ يرسلها فيوبقهن لكن طوى ذكر السبب في المعطوف اقتصارا على المقصود الذي هو ذكر الإيباق أي الاهلاك .